احمد حسن فرحات

93

في علوم القرآن

بنيان واحد ، قد وضع رسمه مرة واحدة ، لا تحسّ بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق ، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق ، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة ، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام والالتحام ، كل ذلك بغير تكلف ، ولا استعانة بأمر خارج المعاني أنفسها ، وإنما هو حسن السياقة ، ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ، ومقطعه وأثنائه ، يريك المنفصل متصلا ، والمختلف مؤتلفا . ولما ذا نقول : إن هذه المعاني تتسق في السورة كما تتسق الحجرات في البنيان ، لا بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان ، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما ، كما يلتقي العظمان عند المفصل ، ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج تحيط بهما عن كثب ، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب ، ومن وراء ذلك كله يجري في جملة السورة اتجاه معين ، وتؤدي بمجموعها غرضا خاصا ، كما يأخذ الجسم قواما واحدا ، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد ، مع اختلاف وظائفه العضوية « 1 » . رجحان هذا الاتجاه : ولا شك أن ما ذهب إليه أصحاب هذا الاتجاه ، هو الراجح ، فهو القول الصائب ، الملاحظ للحكمة ، المعتمد على الأدلة المقنعة ، ولما كانت مقدرة الباحثين المتأملين في النّص القرآني متفاوتة فلا بد أن تتفاوت النتائج التي ينتهون إليها ، ومن ثمّ فقد تكون هناك أكثر من وجهة نظر في الوحدة الموضوعية للسورة ، أو للمناسبات بين الآيات ، أو بين

--> ( 1 ) « النبأ العظيم » : 155 .